السيد محمد الصدر

132

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . مكرر مع مغايرة اللفظ في قوله تعالى : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ . وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ . هو بمنزلة التكرار لكل منهما ، فيكون كل وجه مكررا ثلاث مرات . وبعد اجتماع هذه المقدمات الثلاث ، نقول : إن هذه التكرارات الثلاث ، هي أقصى مقدار من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين ، أو قل : هدف المؤمنين وهدف الكافرين ، وهو أمر مهم بدرجة عالية جدا ، لا يمكن التقصير فيه أو التغافل عنه . فإنه لا يوجد هدف أعلى من عبادة اللّه الواحد الأحد . وأكثر مضادة من الشرك الكامل والصريح . وبما أن هذه المباينة موجودة ، فهي تستحق التأكيد والتكرار . فيكون هذا الوجه صحيحا ، وإن لم تتم الوجوه الأخرى الآتية . الوجه الثاني : ما ذكره القاضي عبد الجبار ، حيث قال « 1 » : إنه لا تكرار في ذلك ، لأن قوله تعالى : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . المراد به المستقبل . وقوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . المراد بها الحال . وقوله تعالى : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ، المراد به المستقبل وفي الحال . أي لا أعبد ما تقدمت عبادتكم له . ومن يعد ذلك تكرارا . فمن قلة معرفته وتدبره لأنه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمل المعنى . أقول : يرد عليه عدة إشكالات : أول : إن هدف القيود التي ذكرها ، غير ظاهرة من العبارة القرآنية . بل لعل الظاهر القرآن . وهذا ليس كذلك . ثانيا : إنه لم يعين رجوع الحال والاستقبال إلى أي من المجموعتين . من

--> ( 1 ) تنزيه القرآن عن المطاعن ، ص 484 .